|
ستنصرون
كان الظلام حالكاً وكانت سيول من دماء الأبرياء تسيل في شوارع تلك الدولة العربية الصامدة..
كان صديقنا الصغير في تلك الليلة يشعر بألم وحزن كبيرين على ما يراه من مناظر بشعة ومؤلمة..
حالة مؤسفة يعيشها عرب اليوم وسيحياها غرب الغد إن شاء الله..
أحس محمد في تلك الليلة بحرقة في قلبه وغصة في حلقه كان يحاول أن يبتلع البكاء ابتلاعاً ولكنه ابتلاع مر قاس مؤلم وكأنه ابتلا الشوك..
لم يجد محمد إلا شرفة المنزل ليجلس وحده فبها يحاور أطياف الخيال المارة أمام مقلتيه يشتم هواءً نقياً خالياً من رائحة الغزو والاحتلال..
أراه الآن يبكي ويبكي وصمت مريب يخيم على المكان إلى أن جاءت نجمة مضيئة من السماء أخذت تهبط رويداً رويداً، إلى أن وصلت إلى محمد وأمسكت بيده لتأخذه في دوامة الزمن وقالت له: امسح دموعك يا بني وتعال لأريك بضع ومضات من نور عبر تاريخنا الطويل، لتعلم أنه لم يأت فجر إلا وقبله ليل حالك مظلم..
فها هو ذا فجر الهجرة النبوية يأتي لينير العالم بعد ظلمة الجهل والكفر.. وتنتصر الأمة الإسلامية على يد ذلك الأمي العظيم وتتوطد أركانها بين الدول وينتشر الإسلام في جميع أنحاء العالم ليصل إلينا الآن دون زيادة أو تقصان..
وتمر الأيام والسنوات ويتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم… انظر إلى ذلك الظلام إنه زمن الردة الذي ترك في نفوس المسلمين جرحاً عميقاً، ولكن انظر إلى شعاع النور ذاك إنها معركة اليمامة نصر وفتح وعزة. رباه إنني أرى في هذا التاريخ عزة وكرامة فأعده علينا برحمتك وجودك يا جواد.
ولكن فرحة الصبي لم تستمر.. فها هو ذا ظلام دامس طويل يستمر تسعين عاماً يظل الوطن العربي فيه تحت جرم الصليبيين واضطهادهم.. ولما رأت النجمة الحزن على وجه الصبي قالت له: تمهل قليلاً فها هو نجم البطل العظيم صلاح الدين قد سطع فهو الذي استطاع أن يخرج الصليبيين من القدس في معركة حطين ويعيد للأمة كرامتها، فعساه يعود مرة أخرى.. فقال الطفل في ألم وحرقة: هبوا يا عباد الله وثوروا أيها المسلمون أعيدوا يوم حطين فإن أعداء الله يسلبون منا أراضينا ويقتلون إخواننا..
فنظرت إليه النجمة وقالت: يا محمد كن على يقين بأن الأمة الإسلامية ستنتصر رغم كل ما ستراه الآن من ظلمة وتسمعه من أنين الضحايا والمعذبين.. انظر على يسارك يا محمد، انظر إلى تلك النار المشتعلة.. إنها نار وقودها دماء الشهداء وحطبها جثث الأبرياء .. هنا احتلت القدس مرة أخرى وقسم الوطن العربي أقساماً وأجزاءً، فما أحوجنا إلى رجل عظيم ينقذنا مما نحن فيه ويعيد إلينا المسجد الأقصى الحبيب…
وفجأة إذا بغيمة كبيرة تقف فوق النار وتبدأ بإنزال المطر، فتهلل وجه الصبي وقال: وأخيراً جئت أيتها السحابة.. هنا تحرر الوطن العربي من وطأة الاستعمار فليتك تعود يا صلاح الدين وترى الذين مشوا على نهجك من بعدك.. فقالت النجمة: ولكن فلسطين لا تزال مغتصبة إلى وقتنا هذا..
انظر يا محمد فهذه صور من تاريخنا المعاصر.. النار مشتعلة ولكن السحابة لم تزل واقفة تنتظر أمراً من خالقها لترسل المطر مرة أخرى ليعيش المسلمون بسعادة وهناء بعيداً عن الحروب..
والتفتت النجمة فرأت نوراً قوياُ قادماً من بعيد فتقول: يا محمد..هذا نصر الأمة المنتظر، إنه قادم.. لذلك لا تحزن يا بني وتذكر ما قلته لك جيداً فالليل أشد ما يكون حلكة قبل الفجر بقليل..
أما الآن فقد انتهت مهمتي والباقي عليكم .. ابنوا مجد أمتكم بأيديكم وتسلحوا بالصبر والعزيمة.
"ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين."
وستنصرون بإذن الله.. ستنصرون.. ستنصرون..
واستيقظ محمد من أحلامه الجميلة وهو يتمتم.. ستنصرون.. ستنصرون
|