 مصطفى.. طفل بريء فقد أمه وهو في الخامسة من عمره وظل ينتظر عودة أمه الراحلة حتى أصبح عمره حوالي خمسة عشر عاماً، حيث اضطر والده أن يخبره بوفاة والدته ولكن كانت النتائج عكس ما توقعه الأب.. فلم يُرَ من الطفل إلا قوة في الإيمان وكبير استسلام لقضاء الله وقدره.. فلنترك مصطفى ليسرد لنا وقائع قصته الأليمة..
كنت مرة أنا وأمي خارج المنزل، وفي ذلك اليوم حدثت المأساة ولكنني لم اعد أذكر التفاصيل تماماً..
حيث رأيت صوراً عجيبة تداخلت في مخيلتي وسمعت صوتاً رهيباً لم يخطر على بالي أن يكون صوت السيارة التي اصطدمت بأمي فأودت بحياتها وأحسست أن أمي تندفع إلى الوراء ويدي معلقة بيدها بشدة، وحينها... سمعت صوتها الحنون يقول: "اركض يا بني إلى المنزل وإني لاحقة بك"..
فذهبت مسرعاً إلى المنزل ومضت الساعات وأنا أنتظر..
جاء والدي فسألته عن أمي فقال لي: ستعود يا بني ستعود إن شاء الله…
لم أكن أدري أنني أصبحت يتيماً ولم أدري أنني فقدت أجمل ما في الوجود.. سر الحياة.. نور العين وضياء القلب..
كنت أنظر إلى وجهها المبتسم الذي كان في الصورة فأسمع صوتاً يناديني ويقول (انتظرني يا بني سأعود عند شروق الشمس عند سطوع الضياء عندما ينجلي وجه الظلم عن هذه الدنيا الفانية سأعود لآخذك معي قد بذل كثير من الناس أرواحهم للوصول إليها.. إنها ارض الخلود فانتظرني يا بني..
كنت أشعر أحياناً أن علي البكاء فأتذكر كلماتها الرائعة فأحس بالقوة وأشعر بالأمل يتجدد في داخلي وتمضي الأيام والشهور والسنوات وأنا أنتظر عودة أمي.
وقد كنت كل فترة أضع وردة بيضاء عند المكان الأخير الذي كنت مع والدتي فيه.. وأقول: علّ أمي ترى هذه الوردة فترشدها إلى المنزل فإني أخشى أن تكون قد نسيت مكان البيت ..
و قلت لوالدي: يا أبي عندما تعود أمي سأفرش لها الأرض زنبقاً وسأقول لها إنني أحبها وسأسعى لأكون قرة عين لها.. وعندما أنظر إلى وجوه من حولي أرى الدموع تنهار بغزارة من المقل…
حماك الله يا ولدي.. هكذا كانت تقول لي أمي وعندما تعود سأطلب منها أن تقولها لي ثانية..
و كبرت و بدأ والدي يشعر بالحيرة ثم فاجأني بخبر للأسف.. فقال : لقد ماتت أمك يا بني ..
وعلم الصبي بوفاة أمه وتنهال دموع غزيرة من المقلتين ويهتز كيانه وتختفي كل آماله..
ويقول له والده: لا تحزن بابني ولا تعترض على قضاء الله وقدره، وكن واثقاً أن الله لن يخزيك وقلب والدك يفيض بالرضا عليك..
فقال مصطفى: رباه إن هذه الدموع حاشاها أن تكون اعتراضاً على أمرك.. وإنما هي إقتداء بنبيك الذي بكى عند وفاة ابنه إبراهيم..
إنا لله وإنا إليه لراجعون والله إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع وإني على فراقك يا أماه لمحزون..
وها هو ذا مصطفى يغدوا طبيباً مشهوراً ويبني داراً للأيتام يسميها على اسم والدته الراحلة.."دار الحنان للأيتام"..
هذه القصة من تأليف الموهوبة علا صرصر ورسوم الموهوبة ولاء الطويل.
|