إن الشيء المعجز في القرآن الكريم هو أنه الكتاب الوحيد الذي حفظه الله تعالى بطريقتين:
1. حفظه كتابةً في المصحف الشريف، و بين أيدينا اليوم منه ملايين النسخ كلها متطابقة ، و مطابقة حرفياً لما كتبه الصحابة رضوان الله عليهم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم .
2. الحفظ في صدور الناس عن ظهر قلب، و هي طريقة يتفرّد بها القرآن الكريم عن سائر كتب الأرض.
و لكن الشيء الأعجب أن يكون من أعظم و أشهر من تعلّم القرآن الكريم و علّمه أصمَّ لا يسمع!؟
إنه إمام الحفظ ، القارئ الكبير، عيسى بن ميناء، المعروف بقالون، سيد القراءة و الإقراء لزمانه،في أرض الحجاز ، كما أنه من علماء اللغة العربية في عصره.
كان قالون رحمه الله جزءاً من تلك السلسلة العظيمة من الرجال ،بل كان من الحلقات الأولى التي حملت القرآن الكريم و نقلته بأمانة عبر الأجيال ليبقى حياً غضاً نضراً محفوظاً كما نزل على سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم في وقت لم تكن فيه تلك الآلات العملاقة و لا الذواكر الضخمة التي تسجل و تحفظ كل شيء.. و في وقت ضاعت فيه الكتب السماوية التي سبقت القرآن الكريم أو تعرضت للتحريف ... و ضاعت معها البشرية .
إذن فالأمر لم يكن سهلاً ، و لا سيما على شخص معاق بالصمم، و هي إعاقة تتناقض عادةً مع مهمة سماع القرآن و تسميعه للناس و تحفيظه لهم !
و لكن كيف كان إمامنا الكبير يعلم القرآن لتلاميذه الكثر و هو أصم؟!!!
يروي ذلك الحسن الهسنجاني فيقول:كان قالون أصم شديد الصمم! فلو رفعت صوتك حتى لا غاية ( أي لأعلى درجة) لم يسمع !
و كان يُقرأ عليه القرآن فكان ينظر إلى شفتي القارئ فيرد عليه اللحن و الخطأ ، و قال لأخي : اقرأ على حروف نافع فإني أفهم بحركة الشفة!
فسبحان الله كيف عوضه عن السمع بمواهب خاصة و مذهلة ليبقى واحداً من أهم القرّاء في التاريخ.
ولد الإمام الجليل و الحافظ الكبير في المدينة المنورة عام 120 هـ ، و كان من قدر الله سبحانه أن تتزوج أمه واحداً من أعظم علماء القرآن الكريم و قرائه الإمام الجليل نافع أحد القراء السبعة المشهورين من أئمة الأمصار و البلدان و عنهم نقلت القراءات ، فكان من حسن طالع هذا الفتى أن تربّى في واحد من خير البيوتات التي تعلم القرآن الكريم.
اعتنى الإمام نافع بابن زوجته قالون ، من النواحي كلها و لا سيما العلمية على خير ما يعتني الرجل بولده ، على عادة العلماء الصالحين ، و لم يفُت الإمام الكبير أن يعلم قالون القرآن الكريم منذ حداثة سنه ، و لم يخيّب قالون ظن أستاذه الكبير زوج أمه فلقّبه قالون و هو الاسم الذي اشتهر به و ذلك لجودة قراءته و حسنها و معنى قالون بلغة الروم :جيد.
عاش إمامنا قالون حياة مديدة، امتدت نحو مئة عام ، و تتلمذ على يديه العشرات من طلاب العلم ... كانت حياته كلها للقرآن و علومه ، ولعله من خير من ينطبق عليه قول رسول الله :
" خيركم من تعلم القرآن و علمه"
و قوله عندما سأله رجل عن خير الناس ، فقال:
"من طال عمره و حَسُنَ عمله "
من كتاب:
...و لكنهم عظماء(معاقون عظماء من التاريخ العربي الإسلامي)